عبد الكريم الخطيب

652

التفسير القرآنى للقرآن

« فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ » * فقد تكررت هذه الآية إحدى وثلاثين مرة ، خلال آيات السورة البالغ عددها ثمانيا وسبعين آية . . وقد كان هذا التكرار مدخلا من مداخل الطعن على القرآن ، عند كثيرين من مرضى العقول والقلوب ، من المستشرقين والمتتلمذين عليهم . . إذ عدوّا هذا التكرار مخلّا ببلاغة الكلام ، جائرا على فصاحته ، ثم يجاوزون هذا إلى القول بأن هذا التكرار الذي جاء خارجا على الأسلوب العام للقرآن ، إنما يمثل حالا من أحوال الصّرع الذي كان يعرض للنبىّ ! « كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً » . . ولا نعرض لدحض هذه المفتريات ، إذ كانت تحمل في كيانها أكثر من شاهد يشهد عليها بالكذب والافتراء . . وحسبنا أن نقف بين يدي هذا الإعجاز المبين من آيات اللّه . . فهذا المقطع الذي بدأت به السورة الكريمة ، هو مقدمة موسيقية علوّية اللحن ، قدسية النغم ، لا تكاد تتحرك بها الشفاه ، وتتصل بها الآذان ، حتى يتفتق من أكمامها هذا الجلال المهيب ، الذي يملأ القلوب مهابة وخشية ، وحتى يشيع في النفوس روحا وانتشاء . . سواء في ذلك من وقف عند تناغم الألفاظ ، وتجاوب جرسها ، أم من جمع إلى هذا ما يفتح اللّه له من علم يرى في أضوائه جلال المعنى ، وصدقه المصفّى من شوائب الباطل والضلال . . فالنظم الذي جاءت عليه هذه الآيات ، مستغن بنفسه عن أن يحمل كلماته ما تحمل اللغة من دلالات ومفاهيم ، متعارفة بين أهلها ، وحسبه أن يفعل بنغمه الموسيقى ، ما لا تفعل أروع ألحان الموسيقى من روح وانتشاء ! فكيف إذا حمل هذا النغم مع ذلك أدق وأصدق وأحكم ما تحمل الكلمات من معنى ؟ . . انظر كيف يطلع هذا المطلع على تلك الصورة الرائعة الفريدة من النظم . .